الغزي
217
نهر الذهب في تاريخ حلب
صلاح الدين أخرج للفاضل من القصر من يعاني الخيال أعني خيال الظل ليفرجه عليه فقام الفاضل عند الشروع في عمله فقال له الناصر : إن كان حراما فما نحضره . وكان حديث العهد بخدمته قبل أن يلي السلطنة . فما أراد أن يكدر عليه فقعد إلى آخره . فلما انقضى ذلك قال له الملك الناصر : كيف رأيت ذلك . قال : رأيت موعظة عظيمة . رأيت دولا تمضي ودولا تأتي ولما طوي الإزار إذا المحرّك واحد . اه . ثم إن هؤلاء المطربين يشتغلون بآلاتهم إلى مضي بضع ساعات من الليل وحينئذ يضع صاحب البيت مائدة تشتمل على الفواكه والجبن والكعك والزيتون ولب الفستق واللوز والزبيب والبرتقال مع السكر المذاب بالماء . ويعرف هذا بالخشاف تحريف خوش آب كلمة فارسية معناها الماء اللذيذ . وإذا لم يولم مساء فإن مائدته يكون فيها علاوة ما ذكر أنواع الحلوى المعروفة بالكنافة والشوربة المطبوخة بالأرز ولحم الدجاج أو الضأن . فإذا أكل القوم ثم المطربون رجعوا إلى ما كانوا عليه من الطرب إلى ذهاب أكثر الليل ثم انصرفوا إلى بيوتهم . وكثير من يحذف النوبة المذكورة ويقتصر على شيخ يقرأ قصة المولد النبوي أو قصة المعراج ويحضر معه ذا صوت حسن ينشد القصائد النبوية في خلال تلاوة إحدى القصتين . ثم إن النوبة المذكورة والخيالاتي يشتغلون في بعض بيوت القهاوي في أكثر مواسم السنة التي يساعد ليلها على السهر . وكثير من الناس من لا يدخل في سهرة دوريّة بل يلازم بيته أو بيت القهوة أو يسهر عند أحد ذوي البيوتات التي أعدوها لمجالسة الأحباب ومسامرتهم . وهذه السهرة الدورية تكون عند النصارى واليهود وينتقلون فيها كل ليلة إلى بيت . وجلّ ما يمضون عليه سهرتهم هو اللعب بالورق . وأكثر ما يكون في الليالي التي يحتفلون فيها السماع والشرب والرقص على النسق العربي والإفرنجي . ثم في الأيام الأخيرة طمى بحر الملاهي في أماكن متعددة أوجدت لذلك خاصة كمراسح الرقص والتمثيل والشرب والغناء والشعوذة وأنواع الخلاعة على صفة يحمر لذكرها وجه الأدب . ما لا يستحسن من عادات بعض الحلبيين إن ما أذكره هنا من العادات لا يستعمله من الناس إلا من لا يعبأ به . أما خواص الناس فإنهم يدركون بعقولهم المليح فيأتونه والقبيح فيجتنبونه . ولذا ترى الخواص من كل